الثلاثاء، 27 ديسمبر، 2011

شاهِدة عَلى الثّورة / يونيو


جاء يونيو .. ومعه كثير من الصبر ..
الثورة شهراً بعد آخر تطول .. تشتد عزومنا .. وتحترق الافئدة على خيرة شبابنا ..
رسائل النقال لا تتوقف ..
قبائل تزحف .. واخرى تحبو مقطوعة الارجل لتطهير الجبل .. وتطهير مصراتة .. وتطهير الشرق .. وتطهير النهر والبحر !!
اما الاطرف على الاطلاق .. فهو ما كتب عن هيلاري كليتون ..
والمسيرة التي خرجت بعد هذا الامر الاخضر .. بالرد على هيلاري .. حرائر ليبيا يردون على هيلاري ..
خرجن بكامل اخضرارهن .. اياديهن لطخت عليها عبارات الجهل ..
و(الاخ القائد) خرج هو الاخر صوتا لا صورة .. بعد غياب طويل ، بضحكة غبية كان يوجه كلامه لإحدى الحربوات .. هاهاها شفتك ياماما *
هذه العبارة التي دخلت مزبلة التاريخ ..
تنادي على المعنية بها .. الدخول إلى المزبلة نفسها !!
أي وقاحة كان يمتلكها اولئك القتلة .. من اراقوا دماء شهدائنا بكلماتهم المسمومة ..
الامل في عودتهم إلى رشدهم كان مفقود ..
يرن جرس هاتفي ..
تبشرني صديقتي بأن (العصابات المسلحة قد تقدمت) وكانت تقول لي بصوتها المبتهج (كيف بنديروا يا ايناس)
العصابات المسلحة .. كانت هذه هي الشيفرة التي نستخدمها في حال اضطررنا للحديث في الهاتف حول امر ما ..
اغلقت من سلسبيل .. واتصلت بوالدي الغائب عني منذ فترة ..
قلت له اول ما قلت .. بابا : يقال ان العصابات في تقدم .. وان الكتائب في تراجع ..
فقال لي : قصدك الشعب المسلح !!
اجبته بارتباك اجل ..
فقال :لا بد وان قطر العميلة قد ادخلت السلاح ..
فقلت : له والقذافي ايضا لا زال يمتلك الكثير ..
ضحك وقال .. سننتصر ان شاء الله .. "هي سكري سلم بنتي " ..
اغلقت الهاتف وعدت لمشاهدة الاخبار  .. نيابة عن امي ..
الاعترافات بالمجلس الوطني الانتقالي كسلطة حاكمة لليبيا في تزايد هذه الايام ..
ثوار مصراتة على ابواب الدافنية .. اكبر المعارك على الاطلاق ..
وثوار الشرق .. تبتلعهم حفر الالغام في البريقة .. الواحد تلو الآخر ..
إن جريمة الالغام المزروعة هناك .. دون خريطة تذكر هي من ابشع وافضع الجرائم التي ارتكبها القذافي في هذه الحرب ..
الالاف من شهدائنا الذين راحوا كأكباش فداء لهذه الالغام ..
اولئك هم اصحاب الفضل الاكبر .. الذين عملوا على استمرار جبهة الشرق اطول فترة ممكنة لاستنزاف قوة القذافي العسكرية والبشرية ..
عشرات المرتزقة كانت تأسر كل يوم ..
ننتظر جديداً فلا يأت ..
تسعة ايام مضت من هذا الشهر ..
قررنا في عاشرها الانتقال للمزرعة .. بعيداً عن الكبت .. لا احد سيلاحقنا هناك .. أو على الاقل هذا ما كنا نرجوه ..
لكن حقيقة الامر لم تكن كذلك ..
انقضى اول يوم هناك .. وقبل حلول المساء بقليل .. دخلت البوابة احدى سيارات الحرس الشعبي .. تحمل 4 اشخاص تقريباً ..
كنا انا واخي الاكبر نقف على الدرج حين توجه إليهم والدي ..
طلبوا منه مقابلة باسم ..
فأجاب والدي : اذا كان الامر مهم سآتي معكم !!
في تلك اللحظة تحديداً .. رن جرس الهاتف فأجاب باسم ..
السيد سالم هو المتصل .. كان ينبه اخي بأن عليه الخروج فوراَ من المزرعة لان امر القبض سينفّذّ بحقه الليلة ..
ارتبكت حقيقة لما سمعت وشاهدت .. اغرورقت عيناي دمعا .. شعرت بأن هذه هي المرات الأخيرة التي اراه فيها  ..
خرج عناصر الحرس الشعبي بعد ان تحصلوا على وعداً  من والدي باللحاق بهم ..
اتجه والدي حيث تجلس العائلة .. وما كان امامي سوى اللحاق به ..
امرنا بالعودة إلى المنزل ..
خرجنا وفي الطريق وجدنا ذات السيارة بإنتظارنا .. كانوا يحدقون بنا .. ولكنهم لم يجدوا اخي معنا ..
عادوا إلى المزرعة كما اخبرنا والدي ، ولحسن الحظ رآهم قبل ان يروه فخرج من النافذة الخلفية راكضاً حافياً دون اتجاه ..
دخلوا باحثين عنه فلم يجدوا احداً .. اتهموا والدي بالخيانة .. فأصر بأنّه لم يرَ باسم ..
اخذوه واتجهوا إلى نقطة تمركزهم .. وبعد التحقيق امروا بإخلاء سبيله ..
واثناء عودته إلى المزرعة اتصل جارنا محمد ليبلغ والدي بأنه لديه امانة عنده .. ذهب إليه فوجد باسم ينتظر ..
شق به الطريق إلى منزل أحد الاقرباء.. حيث تركه هناك وعاد إلينا ..
دخل والدي .. وامرنا بالاستعداد للسفر إلى تونس فجراً ..
وعلى تمام الساعة السابعة صباحاً اتجهنا إلى هناك ..
طيلة الطريق إلى البوابة كنت انظر إلى تلك الاعلام المعلقة وفي خاطري ألف امنية ..
متى سيأتيك الدور يا وطن ..
آخر ما اذكره قبل خروجنا من البوابة .. ذلك العجوز الساخر الذي كان ينظر بإتجاهنا مردداً الشعب الفنزويلي هرب موزعا ابتساماته الصفراء !!
دخلنا تونس .. وعلى احر من الجمر انتظرنا قدوم باسم ..
رحلته التي كانت تؤجل كل يوم .. ها قد جاءت اليوم .. السادس عشر من يونيو ..
اخبرنا باسم أنه الليلة سيغادر ليبيا بحراً .. وانه مع صباح الغد سيكون معنا ..
جاء الصباح ولكنه لم يأتِ .. طال الانتظار حتى المساء .. رن الهاتف فردّت امي ..
انّه ضباط الحدود التونسي .. يبشر امي أن ابنها في تونس وهو بسلام الان ..
هنا .. انتهت رحلة العذاب المريرة على الاقل نفسياً ..
وما وراء قصة مجيئه كان ما اشق من البحر ..
هي رحلة الموت التي عبرها من الصحراء إلى تونس سيراً على الاقدام ..
آثارها على قدميه كانت كفيلة بتوسيم الصمت بليغاً ..
ليلا .. وصل إلى المنزل .. اختطلت المشاعر .. بين ان يسلم اخٌ ويتعذبّ آخر هُناك فإن هذا غير مقبول ..
هذا ما توقعته من اخي .. وهذا ما كنت اريده .. نحن جربنّا الشعور .. حين تموت كل المشاعر تجاه هذا وذاك ليبقى الوطن وحده ..
بعد ثلاثة ايام امرنا بالعودة إلى ليبيا .. ولكننا لم نستجب .. يومين آخرين ثم قررنا الخروج ..
ودّعناه على امل اللقاء ..
وعدنا الى الوطن المحاصر .. دون جديد يذكر .. سوى نظرات التحديق بكل العائدين من تونس ..
إرسال تعليق