الجمعة، 7 أكتوبر، 2011

شاهِدة على الثورة !

جُل الاحداث ضاعت .. بعد ان اضطرني الامر لحرق كُل ماكتبت حول الثورة في يومِ من ايام القذافي السوداء .
ما اذكُره منذ البداية .. ودون كثير من التدقيق والتأريخ، الكم الهائل من الرسائل والدعوات التي توالت على حسابي الفيسبوك ، مطالبةً بالخروج للتظاهر السلمي في يوم السابع عشر من فبراير الماضي ، تحدثت إلى والدي بخصوصها ، نصحني الحذر في التعامل معها لانه وعلى حد وصفه قد يكون "خوّان الامن" من ارسلها ..
لم استطع ان التزم واستمريت في متابعة ما يُكتب كل دقيقة تقريباً ..
توالت الاخبار ومؤشرات الثورة منذ ليلة الخامس عشر من فبراير .. وصلتني اخبار تقول بأن تربل اعتقل ..
 وفي الليلة ذاتها او بعدها بليلة وصلني خبر اعتقال الكاتب ادريس المسماري تلتها اخبار بأنّ الشباب في بنغازي قد احرقوا مراكز الامن ..

 صباحاً وعلى صوت والدي يناديني ، ايناس تعالى "شوفي الثورة"، حقيقةً ان الشعور كان اشبه بالحلم ، 
شعرت للوهلة الاولى ان والدي يتمنى قيام الثورة فخُيّل اليه ان مايجري في بنغازي ثورة .. شعورُ المتمني بحدوث الشيء .. المتردد خوفاً الاّ يحدث .
اسرعت لمشاهدة الجزيرة .. واذ بها صور الموتى والاشلاء تملأ المكان .. اصوات الصراخ ..
اتصلت باصدقائي هناك ..
صرخ احدهم في اُذني ..
"جايب مرتزقة يقتل فينا ..
سألته .. هل تمزح .. فردّ السؤال هذا وقت مزح؟
امسكنا ببعضهم وهم الآن بين ايدينا ..
- كيف وصلوا الى هناك ؟
فقال بأن عملية الانزال تمت عن طريق مطار الابرق ..سِرْت بخطوات ركيكة الى الجامعة .. فقط لجس نبض الطلبة فيما يحدث
دخلت قاعة المحاضرات .. فإذا "بزهرات الفاتح" يصحن الفاتح وبس !!
وكثيراً من التنظير المقرف ..
الوضع مزعج ولم يعد يطاق فالحديث حول بنغازي كان كالتالي :
الصور مفبركة .. بنغازي آمنة .. الجزيرة حقيرة فالقائد لا يقتل شعبه !
احترق الصبر حقيقة واقتربت اليهنّ متوجهة بسؤال ..
من حقن اطفال بنغازي بالايدز !
ردتّ بضحكة اقرب الى "السُخف" .. شن قصدك القائد ادير هكي ؟
استمريت في النقاش مع بيزنطيات القذافي دون جدوى ..
عدت الى البيت للعمل على "فيسي"
دوّنت سخطي ونقمتي حول محطّات القذافي التي كانت ترقص على اشلاء شهدائنا ..
سجلت عن المرتزقة .. وكونه لم يكن امامي من خيار ..
حاولت الاتصال بأصدقاء لي في الداخل والخارج لسؤالهم ماذا سنفعل لأجل بنغازي ؟
البعض قال بأنه عاجز عن تقديم شيء .. والبعض الاخر سخر من الموضوع ..التحشيد والتحريض للخروج هما خياري ..
كتبت عندما كان حائط الشبكة "شبكة" .. ثم 
ال17 كان يوماً مشتعلاً
الشعب يريد اسقاط النظام .. هكذا هتفت ليبيا بأعلى صوت
وما لبثت حتى قابلها النظام بما ادخره ل42 عاماً
مروّعة هي الصور التي تتناقلها وسائل الاعلام .. موجعة ومفزعة و في الوقت ذاته كان العجز يكبل الجميع ..

اليوم ال18 من فبراير
سقطت شحات ..
هاتَفْتُ من كان هناك فردّوا حررناها،القردافي خلاص انتهى ، لم يعد موجود ،حتى العلم الاخضر حُكم بالانتهاء ..
شحات والبيضاء وفي الطريق لبنغازي ان شاء الله ..
هذه هي ملامح شحات والبيضاء اَذا.. مكالمات هاتفية تتوالى على القناة ، البعض كان يصرخ اما نحن فإننا نحترق عن بعد !!
استمرينا في متابعة الشبكة .. نكتب وننقل الاخبار والصور بقدر استطاعتنا .. 
الاخبار اليوم متسارعة الوتيرة ..
بنغازي مشتعلة .. يقال ان القتلى فيها بالمئات
مع انتشار لذوي القبعات الصفر ..
الانترنت سيء للغاية ..
والمعلومات في شحّ او يزيد ..
قوات دعم .. شرطة .. جيش ومرتزقة .. تهاجم المتظاهرين ..طائرات فوق رؤوس العُزّل ..
الامر الآن يستوجب حمل السلاح، لم يعد ثمة مجال للتأخر ..
صباح ال20 من فبراير ..
الاخبار تقول ان الشهيد المهدي زيو اقتحم بسيارته المفخخة وكر الفساد "مقر كتيبة الفضيل"..
هجم الشعب واحتل الكتيبة .. وهذه هي آخر حصون امن القذافي ..
بنغازي في يد الثوار اليوم .. بنغازي مستقلة وحرّة ..
تعالت النداءات هناك .. عاصمتنا طرابلس .. 
وفي اقصى الغرب لم تكن بنغازي لوحدها
الزنتان..مصراتة..الزاوية..طرابلس..زوارة.. الكل يريد فداء بنغازي هنا ..
وتيرة الثورة تشتد يوماً تلو الآخر ..
وبعد انشقاق الدباشي هاهو عبدالرحمن شلقم يخطب في الامم المتحدة .. ينصح القذافي بالخروج !!
ليبيا بدأت عهدها الجديد .. 
اذكر ان تلك الايام الشتوية الممطرة جائتنا بكثير مما نتمنى .. 
تفاصيل لا يمكن حصرها ولا نسيانها .. تأريخها شيء جميل وصعب ..
من منّا لا يذكر .. خطابات الاسرة التي بدأت بال"مهندس" الساعدي في كلمة الى شباب بنغازي ..
ولكن شباب بنغازي خذلوه فعاد مدبراً هارباً .. ولم تبقى في اذهاننا سوى سياراته المحروقة تحت شتاء بنغازي ..
تلاه في "المهاترة" شقيقه الدكتور ابو سبّابة طويلة !!..
لا اخفيكم انّ خطاب سيف بالقدر الذي اسعدني لانّ اوراق التمساح قد احترقت .. بقدر ما اخافني حول ماسيصنعه ببنغازي المحررة آنذاك !!
اما الوالد الذي شيِع هروبه ليلة ال23 إلى فنزويلا .. 
 حرمنا النوم ..  فالخبراشعل ليبيا من شرقها لغربها ..
كل المثابات احترقت .. كل مراكز الشرطة .. الكل اعلن فداؤه لبنغازي هذه الليلة ..
ولكن .. سرعان ماتبدّل الحال بخبر عاجل مفاده ان القذافي سيخرج متوجها بخطاب الي الشعب هذه الليلة ..
طال الانتظار الى ما بعد منتصف الليل ..
وهاهو القذافي الآن في مشهد كوميدي سخيف .. امام بيته الصامد ليعلن ان اذاعات "الكليبات" -على حد تعبيره- كاذبة وانه كان سيخرج للسهر مع الشباب في الساحة لولا الامطار ..
من هنا بدأت
لم يكن احد ليتوقع هذا ..
اُخمِدت المثابات والمراكز .. اسرع الشباب لحماية احيائهم وشوارعهم .. 
امام المسجد العتيق "إبراهيم " يخرج بمكبر الصوت صادحاً .. ياشباب الفاتح لا تصدقوا هذه الاذاعات القائد موجود وباقي معكم ..
عادت المدينة كما كانت .. وعادت الاعلام الخضراء ايضاً ..
اليوم التالي كان هدوء نسبي وحذر .. استمر الحال يومين وثلاث .. 
بعد ذلك عصراً توجهنا الى الجارة زوارة لشراء اقمشة العلم..
كانت مستقلة هي كذلك كما هو الحال في ميدان شهداء الزاوية التي انتفضت منذ اللحظات الاولى لسقوط شهداء بنغازي ..
اخذنا الالوان المطلوبة في حذر عدنا الى مدينتنا ..
امّي لم تكن راضية .. فأخذت تلف القماش مسرعة .. متسائلة ماذا لو دخل الجيران :)
اجمل الايام تلك التي كّنا نصنع فيها الاعلام ونملأ بها حشو الوسائد كإحتياط امني في حال هجم رجال أمن القذافي ..
شعور البهجة والخوف ولذة الانتصار .. شعور التضامن الحميمي .. هذا كُل ماكانت تنقله الينا قطع القماش قبل ان تحاك علماً..
ايام كنّا نعيشها في جوٍ منفرد ..
بينما بدأ الكثير في الحديث عن التلفزيون الليبي ..
الكل كان معجب بشاكير وهالة .. والبعض ادمن حمزة التهامي ..
الناس هنا لم تعد تأبه بشيء .. القذافي فقط .
كثيرون ممن ولّوا مدبرين في حضرة الجزيرة .. 
والبعض كان يطلب ممتعضاً.. فكّونا منها هالقناة !!
كُل الجلسات كانت تشتغل القذافي.. الحوار بين قلة المعارضين المُعلنين هنا مع الاغلبية التي تعشقه كان ممنوعاً ، لأن اي خائن للقذافي هو خائن للوطن بحكمهم ..
الغرب جاء ليغزونا .. الغرب يريد التمتع بثراوتنا ..
يحتدّ النقاش فأسألهم عن اي ثروة يتكلمون .. يجيب الممتلأ منهم يكفينا الامان ..
يتحدثون عن الامان الذي تحققه "ابواب الحماية الحديدية والنوافذ كذلك " 
قالت لي احداهنّ .. يكفيني النوم في راحة !!
اجل هكذا يفكرّ اتباعه ومؤيدوه !!
ببساطة هذا ماعشته في فبراير الثائر .. اما مارس فإن قصته اطول بكثير .. انتظروني .

إرسال تعليق